top of page

أثر يمتد عبر الأجيال من الادخار للحج إلى الوقف والوصية

فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ

علاقة مالية وروحية ممتدة من الميلاد إلى ما بعد الوفاة​

لا ينبغي النظر إلى صندوق الحج الدولي بمكة المكرمة باعتباره وعاء مرتبطا برحلة حج واحدة، بل باعتباره علاقة مالية وروحية ممتدة مع المسلم قبل الحج، وبعد الحج، ومن الميلاد إلى ما بعد الوفاة.

فمنذ الميلاد يمكن أن يبدأ الوالدان حسابا ادخاريا للطفل، كما هو معمول به في بعض التجارب الإسلامية القائمة، ليتراكم الرصيد لعقود حتى يبلغ مرحلة القدرة على أداء الحج. وبعد الحج، لا تنتهي العلاقة بالصندوق؛ إذ يمكن أن يبقى الرصيد المتبقي، أو يتحول إلى وقف، أو ينتقل أثره إلى الأبناء والأحفاد، بما يجعل الصندوق أداة ادخار وتنمية ووقف عابرة للأجيال.

أما المسار الأعمق أثرا فهو مسار الوصايا بعد الوفاة. فمن الطبيعي أن يرغب كثير من المسلمين في أن أن يخصصوا جزءا من أموالهم بعد وفاتهم وقفا دائما لخدمة الحج والحجاج ومكة المكرمة. والشريعة تفتح باب الوصية في حدود الثلث وفق ضوابطها الشرعية، وهو باب واسع يمكن أن يتحول، إذا وجد الوعاء المؤسسي الموثوق، إلى أحد أكبر مصادر للتمويل الإسلامي المستدام.

ملايين المسلمين يتوفون سنويا حول العالم

​​​وتكمن قوة هذا المسار في أن ملايين المسلمين يتوفون سنويا حول العالم، وكثير منهم قد لا يستطيع إنشاء وقف كبير في حياته، لكنه قد يملك عند وفاته مدخرات أو عقارات أو حصصا أو أصولا يمكن أن يخصص جزءا منها للصندوق. وإذا أصبح صندوق الحج الدولي مؤسسة عالمية عالية الثقة، فإن تخصيص نسبة محدودة من الوصايا والأوقاف والهبات له قد يفتح تدفقا ماليا سنويا متجددا لعقود طويلة.
فعند تقدير وفيات المسلمين عالميا بنحو 14 إلى 15 مليون وفاة سنويا، فإن استقطاب الصندوق نسبة محدودة تتزايد تدريجيًا من هذه الوصايا ثم متزايدة من هذه الحالات يمكن أن يمثل مصدرا تمويليا ضخما. وليس من المبالغة القول إن بعض المسلمين الأفراد قد تصل ثرواتهم مليارات الدولارات.
وهنا تبرز الجدوى الاستراتيجية للصندوق: فهو لا يعتمد على مصدر تمويلي واحد، ولا يتعارض مع الأنظمة الدولية التي تجيز إيداع الأموال الخيرية في مؤسسات غير هادفة للربح متى التزمت بالحوكمة والأنظمة المحلية والدولية. بل يقدم وعاء نظاميا عالميا يمكن أن يستقطب المدخرات الصغيرة، والكبيرة، والوصايا، والهبات، والأرصدة المتبقية، ومساهمات الأفراد والمؤسسات والدول.

قاعدة مالية تراكمية يمكن أن تنمو إلى ما شاء الله

​وبذلك، لا يكون الصندوق مجرد حساب ادخاري قبل الحج، ولا مجرد مبادرة وقفية بعد الحج، بل قاعدة مالية تراكمية يمكن أن تنمو على مدى أجيال طويلة؛ فشعيرة الحج إلى البيت الحرام أقدم من أربعة عشر قرنًا، وتستمر حاجتها إلى الخدمة والتطوير عبر الأجيال بل كان قبل الإسلام أيضا. وكلما زادت الثقة والحوكمة والانتشار، زادت قدرة الصندوق على تحويل الرغبة الدينية والوجدانية لدى المسلمين إلى قوة مالية مؤسسية مستدامة لخدمة الحج والحجاج ومكة المكرمة.​​

وعاء إسلامي عالمي موثوق يجمع بين الادخار، والوقف، والوصية، والتنمية​​

الاستدامة الزمنية للصندوق: أحد أهم عوامل استقطاب الموارد المالية لا تعتمد قدرة صندوق الحج الدولي على استقطاب الموارد المالية على الحوافز الاقتصادية وحدها، بل يمتلك ميزة يصعب أن تتوافر في أي مؤسسة مالية أخرى، وهي توافق رسالته مع أحد أقوى الدوافع المتجذرة في الثقافة الإسلامية، وهو حرص المسلم على الصدقة الجارية واستمرار أثرها وعطائها بعد وفاته. ومن هذا المنطلق، فإن الاستدامة الزمنية للصندوق ليست مجرد هدف إداري، بل تمثل أحد أهم أصوله الاستراتيجية. فكلما ازداد يقين المسلمين بأن هذه المؤسسة ستبقى مستقرة وموثوقة لمئات السنين، ازدادت جاذبيتها لتلقي الموارد المالية طويلة الأجل على اختلاف أنواعها ومصادرها ونية من يقدمها. ومن المعلوم شرعا أن المسلم يحرص على الأعمال التي يمتد نفعها بعد وفاته، كما في قول النبي ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». ولذلك فإن طول مدة بقاء المنفعة يمثل عاملا مؤثرا في رغبة كثير من المسلمين في المشاركة بالأوقاف والصدقات الجارية. فعند مقارنة فرصتين متساويتين في جميع المواصفات ولكن أحدهما سوف يستمر نفعه عشر سنوات، بينما الآخر مئة سنة، فإن المنفعة المتحققة من الثاني تكون أكبر وأكثر جاذبية ومن المرجح اختيارها. وكلما امتدت المنفعة عبر الأجيال ازداد أثرها واستمر عطاؤها بإذن الله. ومن هنا تبرز أهمية تصميم صندوق الحج الدولي ليكون مؤسسة ممتدة عبر القرون، لا مشروعا مؤقتا يرتبط بمرحلة زمنية محددة. وقد أثبت التاريخ أن بعض المؤسسات المالية استمرت أكثر من خمسة قرون رغم الحروب والأزمات والتغيرات الاقتصادية وما تزال تعمل حتى يومنا هذا. وإذا كانت مؤسسات ربحية استطاعت المحافظة على وجودها كل هذه المدة، فإن مؤسسة غير هادفة للربح، ترتبط بشعيرة الحج وبالمسلم بعد وفاته، وسوف تتجدد الحاجة إليها كل عام، لا يختلف اثنان على أن هذه تمتلك من مقومات الاستمرار ما يجعل التخطيط لها لعمر مؤسسي يمتد لأكثر من خمسة قرون، أو سبعة قرون أو أكثر من ذلك، هدفا استراتيجيا واقعيا، وليس مجرد طموح نظري، متى ما توافرت الحوكمة الرشيدة والإدارة المهنية والرقابة المستقلة. ولهذا ينبغي أن يعتمد الصندوق منذ تأسيسه على منظومة مؤسسية تضمن استمراره عبر الأجيال، من خلال الفصل بين الأموال بحسب أغراضها، وتطبيق أعلى معايير الحوكمة والشفافية، وتعدد الجهات الرقابية، والتقييم الدوري للأداء، والتجديد المنظم لعضوية مجالس الإدارة واللجان، والاستفادة من الخبرات المتخصصة من مختلف الدول الإسلامية، بما يعزز ثقة المسلمين في استقرار المؤسسة وعدالتها واستقلالها والاعتماد على المعايير المحاسبية الدولية المتعارف عليها. ومن منظور اقتصادي، فإن الثقة في ديمومة المؤسسة ليست مجرد قيمة معنوية، بل هي أحد أهم محركات استقطاب رأس المال الوقفي والخيري. فكلما ازداد يقين المتبرع أو الموصي أو الواقف بأن مساهمته ستظل تخدم الحجاج بعد وفاته بمئات السنين، ازدادت احتمالية تخصيص جزء من أمواله لهذا الغرض. وهنا تكمن إحدى أهم المزايا التنافسية لصندوق الحج الدولي؛ فهو لا يعتمد فقط على قدرته الاستثمارية، بل على بناء ثقة عالمية في أن المؤسسة نفسها ستبقى قائمة، مستقرة، وموثوقة عبر الأجيال. وهذه الثقة، إذا ترسخت، يمكن أن تجعل الصندوق أحد أكبر المؤسسات الوقفية والتنموية في العالم الإسلامي، وأن تفتح أمامه موارد مالية ضخمة يصعب على كثير من المؤسسات التقليدية الوصول إليها، ليس بسبب ارتفاع العائد المالي، وإنما بسبب قوة الرسالة، واستمرار الحاجة إليها، وامتداد أثرها عبر الزمن. على سبيل المثال يمكن لنا أن نتصور حجم هذا المصدر من السيولة اذا عرفنا أن 14 مليون مسلم يتوفون سنويا فإن نسبة كبيرة من البالغين منهم قد يوصي بالثلث من ماله قبل وفاته لذا سوف يحرص على افضل فرصة تمنحه أكبر منفعة ممكنه وبلا شك أن طول الفترة الزمنية يحقق ذلك المطلب ولا منافس لصندوق الحج الدولي في هذه الميزة وبذلك تكون الوصية أو جزء للصندوق، علما بأن هذا العدد من المسلمين يزيد سنويا وربما تزيد الحصص. ومن المصادر التي تمتلك إمكانات كبيرة للنمو على المدى الطويل الوصايا والأوقاف. فعلى سبيل المثال، تشير التقديرات السكانية إلى أن نحو 14 مليون مسلم يتوفون سنويا حول العالم، وهو رقم مرشح للزيادة مع نمو عدد المسلمين. وإذا اختار جزء من هؤلاء أن يخصص جزءا من وصيته أو ثلث ماله – وفق ما يجيزه الشرع – لمشروع يحقق منفعة مستدامة ومتجددة، فإن صندوق الحج الدولي يمتلك مقومات تجعله من أبرز الخيارات الممكنة؛ إذ يجمع بين خدمة ركن من أركان الإسلام واستمرار أثر الصدقة والوقف عبر أجيال متعاقبة. وكلما امتدت مدة بقاء الصندوق وحافظ على حوكمته وكفاءته واستدامته، ازدادت جاذبيته كوعاء وقفي طويل الأجل، بما يعزز قدرته على استقطاب الوصايا والأوقاف وتنمية موارده بصورة تراكمية عبر الزمن. وأقترح في عقد التأسيس ما يؤكد على أهمية الفترة الزمنية كأصل سيكون له جاذبية: صندوق الحج الدولي مؤسسة متعددة الأجيال، لذا من المهم أن ينعكس ذلك على الأنظمة المختلفة للصندوق لما يمنحه القدرة والمرونة على استمراره لمئات السنين، باعتبار أن استدامة المؤسسة تمثل في حد ذاتها أصلا استراتيجيا يزيد ثقة المسلمين، ويعزز قدرتها على استقطاب الأوقاف والوصايا والصدقات الجارية وكذلك أنواع الحسابات المختلفة والتي سبق التطرق لها وقد يتاج لبعض الاستثناءات لبعض الأنظمة أو القوانين.” بهذا المبدأ نجعل العمر الزمني المؤسسي نفسه أصلا اقتصاديا يزيد من قيمة صندوق الحج الدولي وقدرته على تعبئة الموارد سواء المالية أو غيرها، وليس مجرد نتيجة للإدارة الجيدة أو للحقوق الحصرية والمزايا التي توفرها وتمنحها الدولة. وهذا ينسجم تماما مع فلسفة أهمية الربط بين الحوكمة، والثقة، والاستدامة، وخدمة الحج عبر الأجيال.

bottom of page