دراسة تنفيذية متكاملة تربط إعادة هندسة منظومة الحج بصندوق الحج الدولي
هذه الدراسة تضمنت البحث والتحليل والدراسات الميدانية، ودراسة عناصر منظومة الحج، والبنية التقنية والتنظيمية القائمة، وحركة الحجاج والحافلات، وآليات التفويج والتحقق، والاختناقات التشغيلية، والاحتياجات التمويلية المستقبلية، إلى جانب مراجعة المصادر والتجارب ذات العلاقة والتواصل مع عدد من الشركات المتخصصة والقادرة على تنفيذ بعض أو كل الحلول المقترحة لما لديهم من خبرة في هذه المجالات.
وقد أعدت الدراسة من منظور تكاملي يجمع بين الخبرة الاستشارية والتخصصية ولذلك فهي لا تقدم فكرة عامة أو حل جزئي لمشكلة معينة، وإنما تقدم نموذجا مؤسسيا وتشغيليا وتمويليا مترابطا، تحددت عناصره ومصادره وآليات تنفيذه والجهات والشركات التي يمكن الاستعانة بها.
كيف يمكن تحويل ما تمتلكه المملكة من بيانات ومنصات وأجهزة إلى زيادة آمنة في الطاقة الاستيعابية وقابلة للقياس في للحج؟




-
المملكة تمتلك التقنية والبنية الأساسية المطلوبة
-
الحل ليس منصة جديدة بل نموذج تشغيل متكامل
-
تحسين التشغيل أولا... ثم تمويل التوسع الضروري
-
علاقة تبدأ قبل الحج وتستمر إلى ما بعد الوفاة
-
من طموح الرؤية إلى برنامج قابل للتنفيذ

المملكة تمتلك التقنية... والفرصة في تعظيم أثرها
أنشأت المملكة منظومة رقمية متقدمة لخدمة ضيوف الرحمن، تشمل منصة نسك، وبطاقة نسك، وقواعد البيانات المرتبطة بالحجاج والتصاريح والحملات والمخيمات والفنادق والنقل، إلى جانب ما طورته سدايا من حلول للرؤية الحاسوبية، وإدارة الحشود، والمراقبة الذكية، والتحقق من الهوية والسمات الحيوية.
وعند تكامل هذه الإمكانات، فإنها تشكل أساسا يمكن البناء عليه لإنشاء أحد أكثر نماذج إدارة الحشود والنقل والتفويج تقدما في العالم. ولذلك لم يعد السؤال الرئيس: هل تمتلك المملكة التقنية؟ بل:

كيف يمكن تحويل ما تمتلكه المملكة من بيانات ومنصات وأجهزة إلى زيادة آمنة وقابلة للقياس في الطاقة الاستيعابية للحج؟
وتظهر أهمية هذا السؤال عند مقارنة عدد الحجاج الذي تجاوز 3.16 ملايين حاج عام 2012 بما يقارب 1.71 مليون حاج عام 2026. ولا تكفي هذه المقارنة وحدها للحكم على كفاءة المنظومة؛ فقد تغيرت معايير السلامة وجودة الخدمات والاشتراطات والظروف التشغيلية، لكنها تبرر تحليل الأسباب التي تحول دون العودة الآمنة إلى مستوى ثلاثة ملايين حاج ثم تجاوزه تدريجيا.
وتخلص الدراسة، وفق نماذجها وتحليلاتها الهندسية والتشغيلية، إلى أن بعض عناصر المنظومة يمكن أن تدعم أعدادا تتجاوز خمسة ملايين حاج – من الناحية النظرية اعتمادا على تقديرات هندسية تعتمد على معلومات رسمية. بعد إعادة تصميم الحركة والنقل والتفويج والتسكين والتوزيع الزمني واستكمال المتطلبات اللازمة.
وعلى أية حال فالطاقة الاستيعابية للحج لا تحددها مساحة المسجد الحرام أو المشاعر وحدها، وإنما تحددها أو تضيق عليها أضعف حلقة في سلسلة مترابطة تشمل السكن والحافلات والطرق والمخيمات والمرافق والمداخل والمخارج والطواف والسعي والرمي وتوقيت حركة كل مجموعة.

الحل ليس منصة جديدة بل نموذج تشغ يل متكامل
لا تقترح الدراسة استبدال المنصات القائمة، وإنما تعظيم أثرها من خلال الانتقال من الجداول شبه الثابتة والمتابعة اللاحقة إلى إدارة ديناميكية مبنية على البيانات اللحظية، وتشمل خمسة مسارات مترابطة:
-
صورة تشغيلية موحدة: تجمع بيانات الحجاج والحافلات والحملات والمخيمات والطرق والمرافق والكاميرات في مركز قرار واحد
-
تطابق الهوية والحركة: ربط الحاج بالحافلة والحافلة بالحملة وهذه المجموعة ترتبط بمسار معين وتوقيت للحركة وتحديد لموقع الوقوف والوقت المصرح به وتوقيت الاستعداد والانطلاق والمسار في كل من عرفة ومزدلفة، والتحقق من أعداد الركاب وتصاريح الحجاج قبل الحركة.
-
هذا مع الرصد والتحقق اللحظي الآلية الذي يمكن تحديد كل حافلة أو حملة لم تلتزم بتوقيت الانطلاق أو مكان الوقوف أو وجود حجاج بدون تصريح ويتم ذلك بمقارنة البيانات المسجلة إلكترونيا بالأعداد المرصودة ميدانيا ولحظيا، للكشف المبكر عن أي اختلاف أو تجاوز.
-
التنبؤ واتخاذ القرار: توقع الازدحام قبل حدوثه، وتعديل أوقات الأفواج ومساراتها وفق الطاقة المتاحة فعليا.
-
المحاكاة والتعلم التراكمي: بناء توأم رقمي لمنظومة الحج، واختبار السيناريوهات قبل تنفيذها، والاستفادة من نتائج كل موسم لتحسين القرارات في المواسم التالية.

تحسين التشغيل أولا... ثم تمويل التوسع الضروري
تفرق الدراسة بين مسارين متكاملين:
يبدأ المسار الأول بتعظيم الاستفادة من البنية القائمة، وتكامل الأنظمة، وإعادة هندسة الإجراءات، والمحاكاة والتجارب التشغيلية. وقد يحتاج إلى بعض التقنيات والتجهيزات المكملة، لكنه أقل تكلفة وأسرع تنفيذا من التوسع الإنشائي الشامل.
أما المسار الثاني فيبدأ بعد تحديد القيود التي لا يمكن تجاوزها بالتشغيل وحده، مثل الحاجة إلى توسعات في النقل أو المخيمات أو التسكين أو المرافق والخدمات.
وهنا يظهر الدور الاستراتيجي لصندوق الحج الدولي: تمويل ما تثبت الحاجة الفعلية إليه، بدلا من افتراض أن كل تحد يحتاج منذ البداية إلى مشروع إنشائي ضخم. فالصندوق يربط التمويل بالدراسات والمحاكاة والأولويات التنفيذية، ويوجه الموارد إلى الاختناقات التي يثبت أنها تقيد زيادة الطاقة الاستيعابية.

من طموح الرؤية إلى برنامج قابل للتنفيذ
يتوافق هذا النموذج مع طموحات رؤية المملكة في زيادة أعداد الحجاج وتحسين تجربتهم، لكنه ينقل هذا الطموح من هدف عام إلى مسار تنفيذي متكامل يجمع بين:
التقنية، وإعادة هندسة التشغيل، والإدارة الديناميكية للحشود، والتوسع المرحلي، والتمويل المستدام، والحوكمة، والمشاركة الإسلامية العالمية.
وفي حدود ما توصلت إليه الدراسة ومراجعة المصادر المتاحة، لا يظهر وجود نموذج سابق يجمع هذه العناصر جميعا ضمن مؤسسة واحدة وخارطة طريق مترابطة.
و الدراسات التفاصيل الفنية والمالية والتنظيمية متوفرة، بما في ذلك المصادر والمراجع، والنماذج التشغيلية، ونتائج الدراسات الميدانية، وآليات التطبيق، والشركات المتخصصة المرشحة للمشاركة في التنفيذ.
وعليه، فإن المطلوب في هذه المرحلة ليس مناقشة فكرة أولية، بل إتاحة الدراسة التفصيلية للاطلاع المؤسسي، وتشكيل فريق مختص لمراجعتها. ويمكن أن تكون هذه الدراسة محل نظر من مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية ومركز دعم اتخاذ القرار، بالتعاون مع وزارة الحج والعمرة، والهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، وسدايا، والجهات الأمنية والنقلية والمالية والشرعية ذات العلاقة.
فالصندوق ليس غاية مالية مستقلة، وإنما نقطة البداية في خارطة طريق مؤسسية تربط بين تعظيم كفاءة منظومة الحج اليوم، وتمويل قدرتها على خدمة ملايين إضافية من ضيوف الرحمن مستقبلا، وإنشاء أثر خيري وتنموي يمتد عبر الأجيال
